الغزالي
22
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
ظاهرها وباطنها ، وجعل فيها مجرى لغذائها ليكون ذلك سببا لبقائها مدة حياتها . ثم كيف رتب الأعضاء الباطنة من القلب والكبد والمعدة والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل عضو بشكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص ، فجعل المعدة لنضج الغذاء عصبا معينا شديدا لحاجتها وبذلك يمكن تقطيعه وطحنه ، وجعل طحن الأضراس أولا معينا للمعدة على جودة طحنه وهضمه وجعل الكبد لإحالة الغذاء إلى الدم فيجتذب منه كل عضو من الغذاء ما يناسبه ، فغذاء العظم خلاف غذاء اللحم وغذاء العروق خلاف غذاء الأعصاب ، وغذاء الشعر خلاف غذاء غيره ، وجعل الطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد فالطحال لجذب السوداء ، والمرارة لجذب الصفراء ، والكلية المائية عنه والمثانة لقبول الماء عن الكلية ، ثم يخرجه في مجرى الإحليل والعروق والكبد في اتصال الدم منه إلى سائر أطراف البدن ، وجعل جوهرها أتقن من جوهر اللحم ليصونه ويحصره فهي بمنزلة الظروف والأوعية ، ثم انظر كيف دبره في الرحم ولطف به ألطافا يطول شرحها ولا يستكمل العلم بجملتها إلا خالقها ويعجز الواصف عن وصف ما وصل إليه نظره من ذلك ، فمن ذلك جعله فيهما لا يحتاج إلى استدعاء ، ولا يحتاج المولود إلى ما يبين ذلك لا بوعظ ولا تنبيه ، بل ذلك في الطباع إلى وقت حاجة المولود إلى الإغاثة في غذائه ، ولولا ذلك لنفرت الأمهات عنه من شدة التعب وكلفة التربية حتى اشتد جسمه وقويت أعضاؤه الظاهرة والباطنة لهضم الغذاء ، فحينئذ أنبت له الأسنان عند الحاجة إليها لا قبل ذلك ولا بعده . ثم انظر كيف خلق اللّه فيه التمييز والعقل على التدريج إلى حين كماله وبلوغه ، وانظر وفكر في سر كونه يولد جاهلا غير ذي عقل وفهم ، فإنه لو كان ولدا عاقلا فيهما لأنكر الوجود عند خروجه إليه حتى يبقى حيران تائه العقل . إذ رأى ما لا يعرف ، وورد عليه ما لم يره ولم يعهد مثله ، ثم كان يجد غضاضة أن يرى نفسه محمولا وموضوعا معصبا بالخرق ومسجى في المهد مع كونه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ، ثم كان لا يوجد له من الرقة له والحلاوة والمحبة في القلوب ما يوجد للصغير لكثرة اعتراضه بعقله واختياره لنفسه ، فتبين أن ازدياد العقل والفهم فيه على التدريج أصلح به . أفلا يرى كيف أقام كل شيء من الخلقة على غاية الحكمة وطريق الصواب وأعلمه تقلب الخطأ في دقيقه وجليله ، ثم انظر فيما إذا اشتد خلق فيه طريقا وسببا للتناسل وخلق في وجهه شعرا ليميزه عن شبه الصبيان والنسوان ويجمله ويستر به غضون وجهه عند شيخوخته ، وإن كانت أنثى أبقى وجهها نقيا من الشعر لتبقى لها بهجة ونضارة تحرك الرجال لما في ذلك من بقاء النسل . فكر الآن فيما ذكرناه ودبره سبحانه في هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى مثل هذا يمكن أن يكون مهلا ، أرأيت لو لم يجر له الدم غذاء وهو في الرحم ألم يكن يذوي ويهلك ويجف كما يجف النبات إذا انقطع عنه الماء . ولو لم يزعجه المخاض عند استكماله ، ألم يكن يهلك ببقائه في الرحم هو وأمه ؟ ولو لم يوافه اللبن عند ولادته ، ألم يكن يموت جوعا وعطشا أو يغذى بما لا